أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
339
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
أحدهما : أن يحمل النّكاح على الوطء ، والمعنى : أنه نهى أن يطأ الرجل امرأة وطئها أبوه إلا ما قد سلف من الأب في الجاهلية من الزنا بالمرأة فإنه يجوز للابن تزويجها . نقل هذا المعنى عن ابن زيد أيضا ، إلا أنه لا بد من التخصيص في شيئين : أحدهما قوله : « وَلا تَنْكِحُوا » أي ولا تطؤوا وطئا مباحا بالتزويج . والثاني : التخصيص في قوله : « إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ » بوطء الزنا ، وإلا فالوطء فيما قد سلف قد يكون وطئا غير زنا ، وقد يكون زنا ، فيصير التقدير : ولا تطؤوا ما وطئ آباؤكم وطئا مباحا بالتزويج إلا من كان وطؤها فيما مضى وطء زنا في الجاهلية . ويجوز على هذا المعنى الذي ذهب إليه ابن زيد أن يراد بالنكاح الأول العقد ، وبالثاني الوطء ، أي : ولا تتزوجوا من وطئها آباؤكم إلا من كان وطؤها وطء زنا . والمعنى الثاني : « ولا تنكحوا مثل نكاح آبائكم في الجاهلية إلا ما تقدّم منكم من العقود الفاسدة فمباح لكم الإقامة عليها في الإسلام إذا كان مما يقرّر الإسلام عليه » وهذا على رأي من يجعل « ما » مصدرية وقد تقدّم . وقال الزمخشري : « فإن قلت : كيف استثنى « ما قَدْ سَلَفَ » من « ما نَكَحَ آباؤُكُمْ » ؟ قلت : كما استثنى « غير أنّ سيوفهم » من قوله : « ولا عيب فيهم » يعني : إن أمكنكم أن تنكحوا ما قد سلف فأنكحوه فلا يحلّ لكم غيره ، وذلك غير ممكن ، والغرض المبالغة في تحريمه وسدّ الطريق إلى إباحته ، كما تعلق بالمحال في التأبيد في نحو قولهم : « حتى يبيضّ القارّ » و « حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ » . انتهى . أشار - رحمه اللّه - إلى بيت النابغة في قوله : 1567 - ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم * بهنّ فلول من قراع الكتائب « 1 » يعني إن وجد فيهم عيب فهو هذا ، وهذا لا يعدّه أحد عيبا فانتفى العيب عنهم بدليله . ولكن هل الاستثناء على هذا المعنى الذي أبداه الزمخشري من قبيل المنقطع أو المتصل ؟ والحقّ أنه متصل لأنّ المعنى : ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم إلا اللائي مضين وفنين ، وهذا محال ، وكونه محالا لا يخرجه عن الاتصال . وأمّا البيت ففيه نظر ، والظاهر أن الاستثناء فيه متصل أيضا ، لأنه جعل العيب شاملا لقوله « غير أنّ سيوفهم » بالمعنى الذي أراده . وللبحث فيه مجال . وتلخّص ممّا تقدّم أنّ المراد بالنكاح في هذه الآية العقد الصحيح أو الفاسد أو الوطء ، أو : يراد بالأول العقد وبالثاني الوطء ، وقد تقدّم القول في البقرة : هل هو حقيقة فيهما أو في أحدهما ؟ واختلاف الناس في ذلك . وزعم بعضهم أنّ في الآية تقديما وتأخيرا والأصل : ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء ، إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا إلا ما قد سلف . وهذا فاسد من حيث الإعراب ومن حيث المعنى : أمّا الأول فلأنّ ما في حيّز « إنّ » لا يتقدّم عليها ، وأيضا فالمستثنى لا يتقدّم على الجملة التي هو من متعلّقاتها سواء كان منفصلا أم منقطعا ، وإن كان في هذا خلافا ضعيفا . وأمّا الثاني فلأنه أخبر أنه فاحشة ومقت في الزمان الماضي بقوله : « كان » فلا يصحّ أن يستثنى منه الماضي ، إذ يصير المعنى : هو فاحشة في الزمان الماضي إلا ما وقع منه في الزمان الماضي فليس بفاحشة .
--> ( 1 ) البيت في ديوانه ( 7 ) ، الخزانة ( 3 / 327 ) ، الدرر ( 1 / 195 ) ، الهمع ( 1 / 232 ) ، الصاحبي ( 452 ) ، المغني ( 1 / 114 ) ، معاهد التنصيص 3 / 107 ، الكامل ( 1 / 51 ) ، البحر المحيط ( 6 / 202 ) ، روح المعاني ( 16 / 112 ) .